• الأضرار والخسائر متفاوتة لكن ارتفاع أسعار النفط وضخامة الأصول المتراكمة بالصناديق السيادية يمنحان اقتصادات المنطقة مصدّات أمان
• «إس آند بي» تفترض انحسار المخاطر الرئيسية بنهاية مارس
يُعزز تأكيد وكالة «إس آند بي غلوبال» للتصنيف الائتماني للسعودية وقطر والبحرين من توقعات قدرة المملكة ودول الخليج على التعامل مع آثار الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران، والتي تشكل أكبر تهديد اقتصادي للمنطقة منذ عقود.
ورغم أن الحرب تسببت في قطع إمدادات الطاقة عبر «مضيق هرمز» وتعطيل حركة الملاحة والتجارة في عدد من مطارات وموانئ الخليج التي تعرضت لهجمات إيرانية، فإن ارتفاع أسعار النفط وقدرة السعودية على تصديره من خلال خط أنابيب شرق–غرب، بالإضافة إلى الأصول المالية الهائلة التي تتمتع بها الصناديق السيادية في المنطقة تمنح دول مجلس التعاون مرونة في التعامل الأزمة، وفقاً لـ «الشرق».
صناديق بأكثر من 3.6 تريليون دولار
بيانات «المعهد الدولي للصناديق السيادية» تظهر أربعة صناديق خليجية في السعودية وأبوظبي والكويت وقطر ضمن أكبر 10 في العالم، بمجموع أصول يصل إلى 3.64 تريليون دولار. يعادل هذا الرقم نحو 154% من الناتج المحلي الإجمالي لدول مجلس التعاون الست بحسب تقديرات صندوق النقد الدولي.
يعزز التحليل بصلابة الاقتصاد الخليجي اتخاذ عدد من دول المنطقة بإجراءات اقتصادية على مدار العقد الماضي لتنويع مصادر إيراداتها وتدعيم المالية العامة، بالإضافة إلى بقاء الدين الحكومي عند مستويات منخفضة عالمياً، حيث تشير أحدث توقعات صندوق النقد الدولي في أكتوبر إلى تراجعه لنحو 32.5% من حجم الاقتصاد الخليجي في 2025 مقابل 27% قبل ثلاث سنوات.
غير أن تراكم الثروات النفطية واستثمار دول المجلس عبر عقود طويلة في قطاع النفط والطاقة يشكل العامل الأكبر في القدرة على التعافي.
ولعل أبرز دليل على ذلك هو خط أنابيب شرق–غرب الذي بدأت شركة «أرامكو» السعودية في مدّه في ثمانينيات القرن الماضي لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز كمعبر رئيسي لصادرات المملكة من النفط، بطاقة استيعابية يمكن رفعها إلى حوالي 7 ملايين برميل يومياً.
القدرة على تجاوز مضيق هرمز
القدرة على تجاوز مضيق هرمز كانت أحد أهم الأسباب وراء قرار «إس آند بي غلوبال» تثبيت التصنيف الائتماني للمملكة بنظرة مستقبلية مستقرة رغم تطورات الحرب، حيث قالت الوكالة في البيان الذي نُشر يوم السبت إن القرار يعكس توقعاتها «بقدرة السعودية على تجاوز تداعيات النزاع الإقليمي الراهن» مع سيناريو يتخلص في أن التهديدات الرئيسية ستبدأ في التلاشي بحلول نهاية مارس.
كما أشارت الوكالة إلى عدة عوامل أخرى من بينها القدرة التخزينية الكبيرة التي تتمتع بها بها السعودية، فضلاً عن الطاقة الإنتاجية الاحتياطية، وهي الأكبر بين كول دول تحالف «أوبك+» النفطي.
وكان تقرير لبنك أبوظبي التجاري الأسبوع الماضي قد توقع أن تنجح السعودية في خفض عجز الموازنة هذا العام بعد الحرب إلى 4.2% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 5.8% في عام 2025، مستنداً إلى متوسط محافظ لسعر خام برنت عند مستوى 72 دولاراً للبرميل. أما في حال ارتفاع الأسعار إلى متوسط 80 دولاراً للبرميل خلال العام، فقد يؤدي ذلك إلى تراجع العجز إلى 3 و3.5% من حجم الاقتصاد.
اللافت أن وكالة “إس آند بي غلوبال” قررت أيضاً تثبيت تصنيف قطر الائتماني رغم تعطل صادرات الغاز المسال واعتماد الدولة الكامل على مضيق هرمز، وهو ما أرجعته إلى متانة مالية قطر العامة وميزانها التجاري. حيث قدّرت الوكالة صافي أصول الحكومة القطرية بما يعادل 135% من الناتج المحلي الإجمالي.
ولم تكتف الوكالة بالتنويه بصندوق قطر السيادي، الذي تُقدّر أصوله بنحو 557 مليار دولار، إذ أشارت إلى أن أصول الحكومة تشمل صندوقاً خاصة لدعم الموازنة والاحتياطي النقدي في المصرف المركزي، وهو ما يمنح الحكومة “مساحة كبيرة” لمواجهة تقلبات الأزمة ودعم الاقتصاد حتى مع تراجع الإيرادات والنمو.
مؤشرات أسواق السندات أيضاً تتفق مع هذا التقييم، حيث لم يشهد العائد على السندات السيادية القطرية ارتفاعاً يذكر منذ بداية الحرب، كما بقيت أسعار التأمين ضد المخاطر الائتمانية مستقرة هي الأخرى، بحسب بيانات بلومبرغ.
السندات السيادية في الخليج
الأمر نفسه ينطبق على معظم السندات السيادية في المنطقة، التي لم تشهد تحركاً كبيراً في الأسعار أو العوائد. فبقي ارتفاع أسعار التأمين على المخاطر الائتمانية لإمارة أبوظبي محدوداً بنحو 10 نقاط أساس رغم تعرض الإمارات لوابل من الهجمات الإيرانية بالصواريخ والمسيّرات منذ بداية الحرب.
أما سلطنة عُمان، فتبدو هي الأخرى في وضع يسمح لها بالتعامل مع تبعات الصراع، خاصة وأنها لا تعتمد على مضيق هرمز لتصدير النفط رغم تعرض عدد من موانئها لهجمات إيرانية.
وتعتمد السلطنة أيضاً على صلابة المالية العامة بعد جهود حثيثة لترميمها خلال السنوات القليلة الماضية. حيث ساهمت إجراءات ضبط الإنفاق وزيادة الإيرادات غير النفطية في تراجع إجمالي الدين الحكومي إلى حوالي 35% من حجم الاقتصاد مقابل أكثر من 80% عام 2020، وفقاً لبيانات صندوق النقد.
أدّت تلك الإجراءات إلى رفع التصنيف الائتماني لعُمان لمستويات استثمارية أكثر أماناً لدى كل وكالات التصنيف الرئيسية.
غير أن الحرب قد تؤثر على بعض اقتصادات المنطقة بصورة متفاوتة، حيث أدى توقف حركة الملاحة في مضيق هرمز إلى تراجع في إنتاج النفط الكويتي.
في المقابل، تجدر الإشارة إلى أن الكويت كانت في طريقها لتحقيق فائض في الموازنة يبلغ نحو 27% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2025 مع مستوى للدين لا يتجاوز 7% من حجم الاقتصاد.
أما البحرين، أصغر اقتصادات المنطقة والتي تُعاني من ارتفاع في معدلات الدين وعجز الموازنة، فترى وكالة “إس آند بي غلوبال” أنها ستحظى بدعم خليجي كافٍ للحفاظ على استقرارها الاقتصادي.
